الشيخ الطبرسي
372
تفسير مجمع البيان
وأصل العنت : المشقة عنت الرجل يعنت عنتا : دخلت عليه المشقة . وأكمة عنوت : صعبة المسلك لمشقة السلوك فيها . وأعنت فلان فلانا : حمله على المشقة الشديدة فيما يطالبه فيه . ومنه قوله تعالى : ( ولو شاء الله لأعنتكم ) . الاعراب : ( من دونكم ) : من للتبعيض ، والتقدير : لا تتخذوا بعض المخالفين في الدين بطانة . ويجوز أن يكون لتبيين الصفة ، فكأنه قال : لا تتخذوا بطانة من المشركين . وهذا أولى لأنه أعم . ولا يجوز ان يتخذ المؤمن الكافر بطانة على كل حال . وقيل : إن ( من ) ها هنا زائدة ، وهذا غير حسن ، لان الحرف إذا صح حمله في الفائدة ، لا يحكم فيه بالزيادة . وقوله : ( خبالا ) : نصب بأنه المفعول الثاني ، لان الألو يتعدى إلى مفعولين . ويجوز أن يكون مصدرا لان المعنى يخبلونكم خبالا . وموضع قوله ( ودوا ما عنتم ) : يجوز أن يكون نصبا بأنه صفة لبطانة ، ويجوز أن يكون لا موضع له من الاعراب ، لأنه استئناف جملة . و ( ما ) في قوله ( ما عنتم ) مصدرية ، وتقديره : ودوا عنتكم . النزول : نزلت في رجال من المسلمين ، كانوا يواصلون رجالا من اليهود ، لما كان بينهم من الصداقة والقرابة والجوار والحلف والرضاع ، عن ابن عباس . وقيل : نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصادقون المنافقين ، عن مجاهد . المعنى : نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار ومخالطتهم ، خوف الفتنة منهم عليهم فقال : ( يا أيها الذين آمنوا ) أي : صدقوا ( لا تتخذوا بطانة من دونكم ) أي : لا تتخذوا الكافرين أولياء ، وخواص من دون المؤمنين تفشون إليهم أسراركم . وقوله ( من دونكم ) أي : من غير أهل ملتكم . ثم بين تعالى العلة في منع مواصلتهم ، فقال : ( لا يألونكم خبالا ) أي : لا يقصرون فيما يؤدي إلى فساد أمركم ، ولا يدعون جهدهم في مضرتكم . وقال الزجاج : لا يتقون في القائكم فيما يضركم . قال : وأصل الخبال ذهاب الشئ . وقوله : ( ودوا ما عنتم ) معناه تمنوا ادخال المشقة عليكم . وقيل : تمنوا اضلالكم عن دينكم ، عن السدي . وقيل : تمنوا أن يعنتوكم في دينكم أي : يحملونكم على المشقة فيه ، عن ابن عباس . وقوله ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) معناه : ظهرت امارة العداوة لكم على ألسنتهم ، وفي فحوى أقوالهم ، وفلتات كلامهم . ( وما تخفي صدورهم من البغضاء أكبر ) مما يبدون بألسنتهم ( قد بينا لكم الآيات ) أي : أظهرنا لكم الدلالات